عبد الكريم الخطيب

1322

التفسير القرآنى للقرآن

ولا بدّ من أن يقف المرء هنا وقفة متأملة أمام هذا الأدب الإسلامي الرفيع ، الذي يضفى على أتباعه سترا جميلا من التصوّن ، والتعفف ، والحياء ، بهذه الحواجز الرقيقة التي لا تشف عما وراءها من عورات ، وذلك لا يكون إلا في مجتمع كملت إنسانيته ، ورقت مشاعره ، فعرف لنفسه قدرها ، ولكرامته حقها . . إن الحياء هو لباس الإنسانية التي جمّلها اللّه سبحانه وتعالى به . . ولهذا كان أول ما ظهر على آدم من صفات الإنسان هي ستر عورته ، حين ظهرت إرادته بهذا العصيان الذي عصى به ربّه ، وأكل من الشجرة التي نهى عن الأكل منها . . إنه هنا كائن ذو إرادة . . إنه إنسان . . ! ولن يكون إنسانا وهو في هذا العرى الحيواني . . فكان أن نظر آدم وزوجه إلى وجودهما ، فرأيا سوأتيهما ، وفرض عليهما الحياء أن يسترا ما استحييا منه . . وقد أسعفتهما الحيلة ، فطفقا يخصفان عليهما من أوراق الشجر ، ما ستر العورة . هذا هو الإنسان في أصل فطرته . . الحياء أول شعور وجده في كيانه ، وستر العورة أول صنيع صنعه ليخرج به عن عالم الحيوان . . ! ومن أجل هذا كان من آداب الإسلام ، هذا الحرص الشديد على الحفاظ على عورات المسلمين ، وعلى إيقاظ مشاعر الحياء فيهم ، بما أوجب عليهم من أحكام وآداب ، في المخالطة والمعاشرة ، والاستئذان وستر العورة ، حتى يظل ماء الحياء ساريا في كيانهم ، تتغذّى منه مشاعرهم ، وتسمو به إنسانيتهم . . فإنه لا إنسانية إذا خفّ ماء الحياء فيها . . وفي هذا يقول الرسول الكريم : « الحياء خير كله » . . « والحياء شعبة الإيمان » . . « الحياء من الإيمان » . . فأين هذا الأدب الرفيع من تلك الحياة البهيمية التي تعيش فيها أمم تعد في نظر المجتمعات الإنسانية قائمة على قمة الرقىّ ، مستولية على زمام المدنية